الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
143
نفحات القرآن
5 - نهي النفس عن الهوى من الأمور الأخرى التي هي من موجبات دخول الجنّة ، الخوف من اللَّه تعالى ونهي النفس عن الهوى ، قال تعالى : « وَامَّا مَن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى » . ( النازعات / 40 - 41 ) ممّا لا شك فيه أنّ هناك علاقة متبادلة بين ( الخوف من اللَّه ) و ( نهي النفس عن الهوى ) فالأولى بمنزلة الشجرة والثانية ثمرها ، فعندما يتجذر الخوف من اللَّه تعالى في أعماق روح الإنسان ، عندئذٍ تشن حرب من الداخل لمواجهة هوى النفس ، ومن المعلوم أنّ مصدر جميع المفاسد والذنوب على سطح الأرض هو ( عبادة الهوى ) ، فمن هنا يكون الخوف من اللَّه مصدر كل الإصلاحات ، لذا ورد هذا الحديث النبوي : « ما تحت ظل السماء من إله يُعبد من دون اللَّه أعظم عند اللَّه من هوىً مُتَّبع » « 1 » في ذيل الآية الشريفة « أَرَايْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ » . الفرقان / 43 ) والجدير بالذكر أنّ ما يقابل هاتين الصفتين ( الخوف من اللَّه ونهي النفس عن الهوى ) صفتان أخريان وردتا في الآيات التي تسبق هذه الآية من نفس السورة وهما ( الطغيان وايثار الحياة الدنيا على الآخرة ) : « فَأَمَّا مَن طَغَى * وآثَر الحَيَاةَ الدُّنيَا * فَأِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى » . ( النازعات / 37 - 39 ) والحقيقة أنّ هاتين الصفتين مصدر كل البلايا كما أنّ تلك الصفتين مصدر كل خير . وعلى حد قول بعض المفسرين فالمصادر التي تأتي منها الذنوب السبعة المذكورة في قوله تعالى : « زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالانْعَامِ وَالحَرثِ » . ( آل عمران / 14 ) تتلخص في هوى النفس ، وأنّ مصدر هوى النفس هو عدم المعرفة وعدم الخوف من اللَّه تعالى « 2 » . من هنا فما المقصود من ( مقام ربّه ) ؟ هناك آراء مختلفة حول تفسير هذا التعبير فقيل : المراد مقامه من ربّه يوم القيامة حين يسأله عن أعماله .
--> ( 1 ) . تفسير در المنثور ، ج 5 ، ص 72 . ( 2 ) . تفسير روح البيان ، ج 10 ، ص 327 .